عبد الملك الجويني
450
نهاية المطلب في دراية المذهب
ويتصل بهذا المنتهى أمرٌ هو تمام الغرض ، وهو أن المسلمين إذا علموا أنهم ولو صابروا لم يُنكوا في الكفار ، فلا خلاف في جواز الفرار هاهنا ، فإنه ليس في الوقوف إلا الاستقتال ، وليس يرجع إلى الإسلام من هذا قوةٌ ونُصرة ، وإنما التردد فيه إذا غلب على الظن غلبة الكفار ، وقد يغلبون ، وهذا أصل . قلنا : إذا لم يجدوا الحجارة أصلاً ، فإنهم مِزعٌ بين السيوف البواتر ، فوقع القطع هاهنا بالفرار . وتمام غرض الفصل في نجازه . 11337 - ثم إذا منعنا الفرار وحرَّمناه ، فلا يمتنع التحرف للقتال ، والتحيز إلى فئة المسلمين ، كما قال تعالى : { إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ } [ الأنفال : 16 ] ، وأما التحرف للقتال ، فمعناه أن يَلقى الكافر مسلماً في الصف ، ويكون المجال ضيقاً على المسلم ، فرأى في تدبير القتال أن يولّي الكافرَ ظهره ويستجرّه إلى فضاء ومتسع ، حتى إذا اتسع مجاله عَكَر ( 1 ) عليه ، فله أن يفعل ذلك . وكذلك لو تحرّف من الميمنة إلى الميسرة لرأيٍ يراه ، فهذا معدود من التحوّل في القتال ، وليس من الهزيمة في شيء وتصويره بيّن ، وتعليله واضح . 11338 - وأما التحيز ، فإنه يرجع إلى القصد وهو متصل بفرار محقق ، والتحرّف ليس فراراً ، وإنما هو مداورة في القتال . ثم اختلف طرق الأئمة في التحيز - وهذا من أهم ما يجب الاعتناء به - فذكر الصيدلاني وصاحب التقريب وشيخي وأئمة العراق أن من ولّى ، وقصد أن يتحيز إلى فئة ، ويستنجد بهم ، ويعود إذا عادوا ، ففراره على هذا القصد لا يكون معصية ، ولا فرق بين أن يكون بين تلك الفئة التي قصد التحيز إليها على مسافة شاسعة ، وبين أن تكون قريبة من المعترك ، وقال عمر بن الخطاب ، وهو في دار الهجرة ، يعني مدينة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى الذي نحن فيه : " أنا فئة كل مسلم " ( 2 )
--> ( 1 ) يعكُر عليه : من عكر يعكُر عكراً وعكوراً : عطف ورجع . ( 2 ) أثر عمر : " أنا فئة كل مسلم " رواه الشافعي ( الأم : 4 / 171 ) والبيهقي في الكبرى : 9 / 77 .